السبت الأسود ......................................... ......................................... بسم الله الرحمن الرحيم . . , بدا النظام المصري وكانه مصاب بنوبة صرع أو سعار شديد في ذلك اليوم الذي سودته جرائم عملاء الحزب الوثني الأوتوقراطي !!علمتُ عن موعد التظاهرة وقررت الذهاب بعد أن كنتُ قد فارقت التظاهرات في الأشهر الأخيرة لظروف خاصة , ركبت قطارا من المحافظة التي أسكنها إلى القاهرة , وصلت إلى ميدان التحرير في الرابعة تقريبا , تجولت لاستكشاف المكان فوجدت الآلاف من جنود الأمن المركزي يملؤون الميدان والشوارع المحيطة في مشهد كان كافيا لإرعاب السياح أو المواطنين غير المعتادين على هذه العسكرة المبالغ فيها . انتقلتُ إلى مسجد عمر مكرم القريب , صليت الظهر والعصر بينما كان بعض مرتدي اللباس العسكري من الجنود واللواءات يتوافدون تباعا لأداء الصلاة فاستبشرت خيرا , ولم أعلم أن هؤلاء الذين يصلّون إلى جوارنا سيسحقون عظامنا بعد قليل !في الخامسة والنصف خرجت من المسجد , تحركت إلى نقطة تتوسط الميدان لمتابعة الوضع , لاشيء يحدث سوى توافد المزيد من قطعان العكسر المتخفين داخل ملابس مدنية , الوقت يمضي والساعة جاوزت السادسة ولم يحدث شيء , بدأت أفقد الأمل , اقتربت من أحد الضباط لأتلقى التعليمات عبر جهاز اللاسلكي الخاص به ! وفعلا بمجرد اقترابي سمعت أحدهم يعوي طالباً إرسال جميع التشكيلات إلى شارع طلعت حرب ; فأردكت أن المعركة قد بدأت وأسرعت إلى هناك لأجد الشارع مسدودا بصفوف من الأمن المركزي يليهم صفوف من المتظاهرين يحملون اللافتات ويزأرون : حسني مبارك باطل ! حاولت الانضمام للمتظاهرين لكن الشارع كان قد امتلأ بالعسكر وعملاء الأمن فآثرت الانضمام إلى صفوف المواطنين الصالحين المتفرجين في هدوء على ما يجري إلى أن تحين اللحظة المناسبة , انتبهت لأجد بعض الكلاب يجرون شخصا لم ألمح سوى شعره الأبيض الطويل وظهره المحدودب بفعل السنين فعلمت أنه الأستاذ جورج اسحاق - المنسق العام لحركة كفاية - !توالى عبور المخطوفين واحدا بعد الآخر , خمسة أو ستة بلباس مدني يحملون متظاهراً مُقَطَّعَ الملابس ويجرون به بينما يستمر هو في الصراخ - بآخر ما تبقى له من صوت - : " حسني مبارك بــــــــــــــــاطل "! لا يزال المواطنون الصالحون يتفرجون في هدوء والمتظاهرون يُخطفون واحدا بعد الآخر فقررت البحث عن مكان آخر للعبور إلى المتظاهرين وبدأت أتجول في شارع قريب لأجد " شحطا " يصرخ في جمع من الناس قائلا : ما يروح يصور في بلده !علمت فيما بعد أنه اعتدى على مصور تركي حاول توثيق البلطجة , وفرحت جدا لأن الدماء كان تسيل من وجه البلطجي الأحمق بينما يوجه له بعض الجدعان شتائم مصرية صميمة تليق بوقاحته ونفخته الكدابة ! بعد أمتار وجدت تجمعا آخر و اشتباكا يبدو في نهايته و فتاة تصرخ في وجه أحد الضباط : " انتو كلكم كلاب شغالين عند كلب " ! حاول الضابط أن يضربها لكن زملاءه منعوه , واتجهت الفتاة إلى المواطنين الصالحين وأخذت توبخهم وتتهمهم بالجبن لأنهم شاهدوها تُضرب ولم يتحركوا ! بعد قليل لاحت في الأفق مجموعة من المتظاهرين وكان الشارع خاليا من العسكر لحسن الحظ فالتحقت بهم سريعا ومضينا في شارع مزدحم بالسيارات بينما تلاحقنا عدسات المصورين , ثلاثة شباب - اعتقل أحدهم لاحقا - و إحدى الفتيات كانوا يقودون التظاهرة , هتفنا بأن كلا من : حسني مبارك - علاء مبارك - جمال مبارك - سوزان مبارك - كمال الشاذلي - حبيب العادلي - يوسف والي - الحزب الواطي : بـــــــــــاطل !" عايزين حكومة حرة , العيشة بقت مرة " " عايزين حكومة جديدة , بقينا عـ الحديدة " "ابني فـ سور السجن وعلّي , بكرة الثورة تقوم ما تخلي " استمر سيرنا وسط السيارت وحافلات النقل الجماعي في الشارع الذي توقفت فيه الحركة , معظم الناس ينظرون إلينا مشدوهين , غير مصدقين لما يجري حولهم , بعض المواطنين الصالحين أثاروا غضبي واستفزوني بشكل فظيع عندما وجدتهم داخل سياراتهم يضحكون ويقهقهون وكأنهم يشاهدون عرضا كوميديا وكأن أمر هذه البلاد لا يعنيهم في شيء ! مراسل للعربية يدخل ميكروفونا من نافذة إحدى السيارات , المواطن داخل السيارة يصرخ : كفاية كفاية ! أحد الرتب الكبيرة يسير إلى جوارنا مغتاظاً , يبدو أن التعزيزات لم تصل بعد ! , دقائق ووجدت قطيعا من الأمن المركزي بأيديهم الهراوات يهجمون على المتظاهرين ويحاولون اختطافهم , اختلط الحابل بالنابل , وبعد مطاردة قصيرة وجدت نفسي مع شخص آخر محاصرَين داخل " منور " إحدى البنايات , نراقب الوضع عبر فتحة في باب المنور لنجد أن كتيبة من الأمن المركزي تحاصر البناية من الخارج , أتبادل مع زميلي بعض الكلمات السريعة عن حال البلد , نصب بعض اللعنات على بعض الاِشخاص , ثم ألمح أحدهم مختبئا إلى جوارنا في دورة مياه ! شاب أنيق باغته بالسؤال فأجاب فورا بأنه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ! وملوش دعوة بحاجة ! مواطن صالح إذن ! رغم مرور دقائق معدودة على هذا الوضع إلا أنني شعرت بالملل واقترحت على زميلي أن نصعد عبر سلم لولبي إلى السطح لنراقب الوضع في الخارج , تركنا المواطن الصالح منكمشا في دورة المياه وصعدنا إلى الأعلى , لازالت قوافل المخطوفين تمضي في الأسفل بعضهم يحمله البلطجية وهو فاقد للوعي وبعضهم لا يزال يقاوم , مواطنون آخرون صالحون يراقبون الوضع من نوافذ بيوتهم , أحدهم يصعد خلفنا , يعتذر بلباقة عندما شعر أن لباسه الأبيض قد سبب لنا بعض الفزع ! شاهدت ذلك الشاب الذي كان أحد من قادوا التظاهرة مسحوبا , عرفته من قميصه البرتقالي المميز , يجري زميلي بعض الاتصالات عبر هاتفه المحمول , بقينا في الأعلى ساعة تقريبا حتى انسحبت كتيبة الأمن المركزي من أمام مدخل البناية فقررنا النزول , في الشارع وجدت آخرا ممن قادوا التظاهرة يعلن استشهاد أحد المتظاهرين !يقول إنه مدير تحرير مجلة " ألحان " اللبنانية , وإن سكرتير التحرير " شعبان عبد الرحيم " قد قُتل على أيدي أجهزة الأمن ! ويتحدث إلى صحفيين آخرين مؤكدا أنه يُحمّل وزارة الداخلية كامل المسئولية ويستطرد : السيد حبيب العادلي يعرفني جيدا منذ كان في أمن الدولة !(( تبين فيما بعد أن الصحفي لم يُقتل ولكن أصيب بنزيف داخلي - ادعوا له بالشفاء )) في نهاية اليوم الحزين كانت عربات الأمن المركزي الضخمة تعبر الشوارع تباعا بينما شرفاء البلد المختطفين داخلها يضربون بأيديهم على جدرانها ويهتفون : حسني مبارك بــــــــــــــــــــــاطل !!! توجهت إلى مقهى انترنت قريب لأنشر بعض الأخبار فطلب المسئول اسمي بالكامل وعنواني وأصر على رؤية بطاقتي الشخصية ! سألته عن الساعة وافتعلت أنني متأخر لأنسحب من ذلك المكان ! ستبقى مصر عصية على الانكسار وسنبقى - بإذن الله - نصرخ بأعلى أصواتنا : حسني مبارك باطل , إلى أن يسقط مبارك وزبانية مبارك , وسيسقطون رغم أنوف الجميع إن عاجلا أو آجلا , وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ! 30/7/2005




